مسرحية هزلية للسرطان في "البيت بيتك"

كتبهانعمات البحيري ، في 6 فبراير 2007 الساعة: 15:13 م

نعمات البحيرى

لا أمنح نفسى لبرامج التليفزيون إلا قليلا، فالترف الزائد الذى تتعامل به الكثير من القنوات والفضائيات والبرامج التى لا تكرس إلا لثراء التفاهة ولحياة فاقدة المعنى تؤذى مشاعرى وتثبط إرادة الحياة التى أقاوم بها مأزقى الصحى.

 لكننى وبالصدفة المحضة ومنذ ايام تابعت على مدار ساعة الاعلامى المغامر محمود سعد  الذى قام باستضافة طبيب صيدلى سكندرى  يجزم بأنه يجتهد منذ عام 1994 فى البحث لاكتشاف علاج لمرض السرطان. فى البدء توجست فقد انتشر فى مصر والمنطقة العربية عدد مهول يجزم بقدرته على شفاء السرطان بطرق مختلفة أغلبها غير علمى وغير منطقى وينثر حوله عناصر الشك والريبة.

أتاح المذيع الموهوب محمود سعد للطبيب الصيدلى  مساحة يلقى فيها الضوء على اختراعه فراح فى هدوء يسرد رحلته فى البحث مدعما كلامه بصور من الخلايا قبل وبعد العلاج، وقد استهلك عددا لا باس به من الفئران والأرانب والكلاب وفقا لمنهجية بحث خاصة ثم أن أنهى الصيدلى سرده للبحث وتطوراته بدءً من المقدمات ووصولا للنتائج  وقد تابعت الموضوع بشغف شديد من أجل بصيص من أمل لى ولكل مرضى السرطان فى مصر والعالم حيث استشرى المرض بشراسة وخاصة فى السنوات الأخيرة، واستمسكت بأمل مراوغ بصدق الصيدلى ومصداقيته رهانا على مصر ـ الولادة ـ التى فى خاطرى وخاطر كل المصريين.

وفى الفقرة التالية جاء محمود سعد بعدد من أساطين معهد الاورام القومى،  كوكبة من كبار وأشهر أطباء الاورام فى مصر وعلى رأسهم رئيس المعهد د حسين خالد  ود.شريف عمر وغيرهم  وبينهم الصيدلى المكتشف لعلاج السرطان. وإذا بالمشهد يبدو على الشاشة وكأنه كوميديا سوداء من الطراز الاول، فقد انقض السادة الأطباء أساطين معهد الاورام  على الصيدلى يدحضون طريقة البحث التى انتهجها الصيدلى بأنها غير شرعية وغير قانونية ثم كيلت له الاتهامات من زملائه ورؤسائه، وانبرى عبر التليفونات أصوات تنفى علاقتها بالباحث واصوات تجزم بما لا يدع مجالا للشك أنه يسىء استخدام المهنة ويتسبب فى انتشار المرض فى اعضاء اخرى، فبدا الصيدلى وكأنه اخترق حدود لا يجوز اختراقها أو خلخل ثوابت لا يجب المساس بها. ثم تمددت الابتسامات الماكرة يمينا ويسارا داخل الدائرة الجهنمية لتعكس المعنى المضمر تحت الجلد وعلى الشفاه وبين الأسنان والأنياب، ورأيت الباحث وسط عبثية هذا المشهد لا يقل بؤسا عن الفئران والأرانب والكلاب التى أجرى عليها تجاربه..ثم جاء عبر التليفون من يؤكد ان اكتشافه هذا تسبب فى قتل عدد من المرضى، وينسى أن يسأل مستشفيات الأورام عن عدد وفيات مرضى السرطان فى عام واحد، ثم فرد محمود سعد على الشاشة خطابا من قنصل احدى الدول العربية يؤكد ان سبعة من مواطني بلده ماتوا بسبب عقار الباحث وذكر عميد كلية طب الاسكندرية الذى راح هو الآخر ينفى عن نفسه أن هذا الابتكار تم بين جدران معامل كليته وأكد أن القنصل يتشكى من موت مواطنيه الذين تعاطوا علاج الصيدلى لأن السفارة هى التى تتكفل بنقل الجثث، وكأن هذا فقط سبب الاعتراض، ثم يرتفع صوت محللة الباثولجى فى صخب تنفى عن نفسها شبهة التعاون مع الطبيب الباحث، وكأنها تنفى عن نفسها تهمة لا أخلاقية.

 الغريب أن الجميع راحوا ينفون عن الرجل حقه فى البحث حتى اننى استشعرت انه ربما كان ينقصه ايضا فتوى من الأزهر بمشروعية البحث فى علاج لمرض يجعل من الناس نفايات بشر. . وقد بدا أن الكل يحصن نفسه من خطر السيد الزاحف، بداية من زملائه لرئيس الجامعة فى الأسكندرية… أفزعتنى حالة

الكراهية والعداء حتى فى التفكير فى فعل الابتكار وان الناس صارت تأمن للطرق الممهدة والآهلة بعناصر الطمأنينة والامان ولا أحد يملك القدرة على المغامرة والمخاطرة من أجل فعل اذا أصاب قد يضيف الانسانية، واذا أخطأ لن يضر بكثيرين، فالضرر قائم على نحو وآخر.

من مشهدية الحلقة استشعرت أن ثمة نية مبيتة لنسف فكرة الصيدلى وقد تمت مواجهته تليفونيا بأكثر من معارض فى الوقت الذى لم يأتوا بالنموذج الذى شفاه بالفعل من مرض السرطان وكأن هناك محاولة لإشاعة الرعب وارباك الباحث وتحويله الى متهم توجه اليه اتهامات اختراق القوانين واللوائح والاعراف الجامعية وكأن ما فعله أحد الانتهاكات السياسية أو الدينية.. على الرغم من أن حدود العقل والخلق ليست مغلقة إلى هذا الحد لنسجن عقولنا وأرواحنا بنمطية التفكير الذي يأخذ عقولنا إلى الجمود والتخثر والتكلس.

ما راق لى فى المسألة حماس محمود سعد بموضوعيته بطرح السؤال الأهم والذى فى تصورى وتصور الكثيرين أن المهم هو النتائج التى يمكن ان يحرزها الطبيب وليس المهم الآن شرعية وقانونية بحثه لطالما بدأ بالفعل وأحرز لنا علاجا لابد من تقييمه فى المكان المختص. وقال صراحة وقد حاصره ارتفاع منسوب التوتر فى الحلقة ما يعنى أن المهم أول البحث فى مصداقية المادة التى توصل لها الباحث والتاكد من النتائج التى انتهى اليها وهل هى ناجعة من عدمها.  ثم يأتى عقابه فيما بعد،

هل أحد ينكر أفضال من اخترع البنسلين ومن اخترع أمصال ولقاحات علاج أمراض كانت تهدد الانسانية فى مرحلة وصارت الآن أمراض تجد حلولا سهلة وميسرة. 

الآن يعكف علماء أميركيون على تطوير «سماعة للمشاعر» لاكتشاف ما إذا كان الشخص الذي تحادثه مهتماً بكلامك أم أنه يشعر بالملل. ويجري تطوير هذا الجهاز لمساعدة المصابين بمرض التوحد والذين يعانون تدني مهارتهم في التواصل مع الآخرين.

والقصد من إيراد مثل هذه الاختراعات التى يبذل فيها العالم جهده واضح الدلالة، بحث مثل هذا يتضمن وافر الترف بالمقارنة لبحث طبيب عن علاج لمرض فتاك خبيث يحاصر الجميع، ويحول الناس الى قنابل موقوتة تسير على الارض، ولا تعلم متى تنفجر ..

نأمل ألا تنتهى المدة التى حددها اطباء معهد الاورام بتدمير ما أنتجه الذهن المتقد انسياقا وراء هدف نبيل هو مساعدة مرضى السرطان لتجاوز آلامهم المسعورة  بينما تثرى شركات الادوية وبعض أطباء الاورام الذين يكرسون للبروتوكولات السائدة من تجار العلاج الكيماوى والاشعاعى على جثث المرض. هذه العلاجات التى أهلكت أجسادنا ونشرت المرض وأماتت الآلاف ونشرت الذعر بين كل أسرة أصاب احد أفرادها السرطان.

شكرا لمحمود سعد بفهمه العميق وحسن إدارته للحوار مطوعا القنابل الدخانية التى أرادها البعض لتهريب الانتباه لأى قدرة على البحث والابتكار الذى هو هاجس فردى وأنه المهم مهما ارتكب المخترع من اخطاء المهم النتائج التى قد توفر على البشرية هذه المفرمة الهالكة للبشر وقطع أعضاء أجسام النساء والرجال، .. فلنمنح عقولنا وآذاننا قدرا هائلا من الشمس والهواء ونرفع من سقف القيود المعوقة للتفكير.

أتذكر حصار مجدى يعقوب بين زملائه وضغط رئيسه عليه الذى كان سببا جوهريا لفراره من مصر، فصار من  أشهر وأهم أطباء القلب فى العالم حتى حين مرض رئيسه طلب صراحة أن يعالجه مجدى يعقوب. كما أتذكر أن زويل صاحب جائزة نوبل لو كان قد رضخ لبيروقراطية البحث العلمى والقنوات الشرعية التى أصيبت بتصلب الشرايين لكان الآن مجرد مدرس فيزياء. وغيرهم من علماء مصر الذين يحاصرهم الروتين وتكلس العقول وتخثر الأرواح فيفرون بجلدهم الى مجتمعات تحترم الابداع والابتكار وتنميه وتستثمره..

نداء خاص للسادة المسئولين عن البحوث والدراسات فى معهد الأورام أن يتذكروا أن ذاكرة هذه الأمة ليست مثقوبة تماما وسوف يذكر التاريخ من ساهم فى اشفاء مريض واحد ومن ساهم فى افساد الطب من أجل المناصب أو الثراء فوق جثث المرضى.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر